منظور متجدد للأمن القومي المصري في العقد الجديد.. الدواعي المُوجِبة والتغيرات الواجبة

 

د. محمد بدري عيد

 

تدخل مصر العقد الثالث من الألفية الميلادية الحالية، وهي في حاجة ماسة إلى تجديد رؤيتها الإستراتيجية لأمنها القومي خلال السنوات العشر القادمة؛ لاسيما بالنظر إلى حالة المشهد الإقليمي في اللحظة التاريخية الراهنة.

إذ يشهد الشرق الأوسط تطورات غير مسبوقة في تاريخه على الأقل خلال الـ 100 سنة الأخيرة، وهي تطورات تحمل في طياتها معضلات وإشكاليات مستجدة من جهة، ومن جهة أخرى تُنذر بتغيرات نوعية في ماهية القواعد المنظمة والأطر الناظمة لعلاقات التعاون و/أو الصراع والتنافس في المنطقة خلال العقد المقبل على أقل تقدير.

ودون الخوض في تفاصيل التغيرات الجديدة البازغة في إستراتيجيات دول المنطقة وسلوكها السياسي، يمكننا رصد أبرز التطورات ذات الدلالة من منظور أمننا القومي، وذلك على النحو التالي:

  1. تسارع وتيرة التغيرات على مسرح العمليات في الشرق الأوسط، بما يتضمنه ذلك من تبدل مراكز الثقل الإقليمي، والتغير اللافت في أنماط التحالفات سواء بين القوى الفاعلة داخل الإقليم أو بين بعض هذه القوى والدول الكبرى، وتزايد حدة الصراع، وتداخل قضايا التنافس الإقليمي.
  2. التبدل والتغير في أدوار واهتمامات القوى الكبرى تجاه قضايا التنافس والصراع والتعاون في الشرق الأوسط وأزمات المنطقة وعوامل ومظاهر عدم الاستقرار بها.
  3. تنامي تأثير تطورات السياسة الداخلية لجهة تقييد أو تغذية التطلعات الخارجية للقوى الإقليمية غير العربية والتغير في ماهية تحالفتها الدولية وتوقيتها وآلياتها ( تمعن على سبيل المثال في حالتي: إسرائيل- نتنياهو، وتركيا-أردوغان).

 

  1. تعاظم وتيرة البراجماتية المفرطة في سياسات دول المنطقة إلى حد وصل إلي حالة من (الانتهازية السياسية) الفجة دون مواربة.
  2. تآكل الولاء والانتماء وانحسار -حتى لا نقول اندثار- القناعة بأهمية، ناهيك عن مركزية، منظومات ومنظمات جامعة وحامية للأمن العربي على الأقل من الناحية المعنوية.

ويرتبط بذلك، التنكر الفظ لأدوار القوى العربية الكبرى المؤثرة تاريخياً والوازنة في حاضر المنطقة ومستقبلها وفي مقدمتها: مصر، ومحاولات التشويش المتعمد على أدوار هذه القوى.

  1. المواقف المبهمة -حتى لا نقول المخزية والمتخاذلة- من جانب بعض القوى الإقليمية والدولية من قضايا تمس مباشرة الأمن القومي المصري، على نحو ما أظهرته أزمة “سد النهضة” الإثيوبي، بشكل جلي لا يحتمل الشكك ولا يرتقي إليه الظن.

الإقدام الإستراتيجي المأمول 

ترتيباً على ماتقدم، يجدر بصانع القرار المصري أخذ زمام المبادرة الإستراتيجية خلال المرحلة المقبلة في الاتجاهات التالية:

  1. التكاملية في الحركة السياسية الخارجية بمنظورها الإستراتيجي السياسي والعسكري والأمني.
  2. الاعتماد على الذات أولاً ودائماً وأخيراً.
  3. التأهب لكل الاحتمالات مع إبداع الحلول الممكنة للمشكلات المحتملة والأزمات المتوقعة.
  4. تأكيد قوة مصر كـ”سيد موقف” في دوائر ومجالات أمنها القومي، ويتصل بذلك التأكيد بلا مواربة أو مجاملة أو خجل أن من يتدخل في نطاقات هذه المجالات الحيوية سيكون بلا حول ولا قوة ولا يلومن إلا نفسه.

 

 

 

  1. وكجزء من هذا التوجه، من المهم استعادة الحضور القوي والمؤثر في تفاعلات الإقليم والمناطق الحيوية لمصر، من قبيل: الأزمة السورية، وأزمات القارة الأفريقية المختلفة، بحيث تكون القاهرة حاضرة ومؤثرة في كافة مجالات أمنها القومي.

ويرتبط بذلك أن يكون هذا الحضور المصري في الملفات بالغة الأهمية والخطورة، إلزامياً، لكل القوى الإقليمية والدولية وبما يُزيل أي توهم قد يساور أي من هذه القوى في أي منة أو تفضل على مصر في هذا الأمر.

وتوجد العديد من شواهد الخبرة المعاصرة على مثل هذا التوجه، حيث نجد قوى كبرى مثل الصين وروسيا وقوى إقليمية مثل إيران وتركيا، تحرص على التواجد والتأثير خارج جوارها الإقليمي المباشر فيما تعتبره مجالاً حيوياً لأمنها القومي.

ونكتفي في هذا السياق بالإشارة إلى حصول روسيا على مركز بحري لوجيستي في السودان في نوفمبر 2020م، ووجود تقارير عدة عن تدخلات عسكرية لموسكو في كل من ليبيا وجمهورية إفريقيا الوسطى، ومن قبل كان الحضور الروسي القوي في الأزمة السورية منذ سبتمبر 2017م.

وفي الإطار ذاته، نجد الصين تتدخل في البحر الكاريبي لصد ما تعتبره تدخلاً وتهديداً أميركياً لمصالحها في الباسيفيك وبحر الصين الجنوبي.

  1. إيلاء اهتمام متزايد نحو تعظيم إدراك مصر- الدولة والمجتمع- لمقدرتها على الفعل والتأثير ومواصلة الاضطلاع بدورها كقوة مركزية في الشرق الأوسط وليس العالم العربي وحده.
  2. الانفتاح على علاقات إستراتيجية مع القوى الإقليمية الكبرى حتى وإن كانت منافسة لمصر على مقعد القيادة في الشرق الأوسط، مثل: إيران، وعدم الاكتفاء بمجرد علاقات طبيعية أو روتينية معها.

ويهدف ذلك إلى ترسيخ التوازن كسمة ملازمة وركيزة ثابتة في السياسة الخارجية المصرية من جهة، ومن جهة أخرى موازنة ومعادلة التأثير البيني للقوى الإقليمية بما يعزز الوجود الإستراتيجي للقاهرة في المنطقة.

 

 

مقصود القول، إنه إزاء ما جرى ويجري على الساحة الإقليمية، وحماية لأمننا القومي، وتقليلاً للمخاطر المحتمل التعرض لها؛ أصبح لزاماً علينا بلورة منظور متجدد لإستراتيجية الأمن القومي المصري، بحيث ترتكز هذه الإستراتيجية إلى مفهوم القدرة القصوى للفعل والتأثير، وبما ينسجم مع طبيعة العلاقات المتشابكة إقليمياً ودولياً، ووفقاً لنسق قادر على التصدي الكفء والفعال للمعضلات المستجدة.

ونحسب أنه ما لم نتحل بالديناميكية والإقدام اللازمين فإننا بذلك سنجازف بمواجهة عواقب غير مأمونة على أمننا القومي، وسنغامر بوضع أنفسنا في مهب خسائر فادحة غير قابلة للتعويض في جوهر وجود مصر كدولة قائد ومحورية دورها الإستراتيجي.

 

 

مقالات ذات صلة