مظاهرات العراق: نساء التحرير وشهادات من قلب الاحتجاجات

أنا في ساحة التحرير، ليس بوصفي متظاهرة بل كأم. أخاف كثيرا على الشباب هنا وأتمنى أن لا يهدر دم أكثر، بل وأخاف حتى على من يرتدي الزي العسكري ويقف وهو خائف من الأوامر لأنه ابن بلدي ايضا. وأخاف على من في ساحة التحرير وفي “جبل أحد” وعلى الجسر لأن أغلبهم ولد بعد عام 2003، ولم يعيشوا تحت استبداد صدام حسين لكنهم شعروا بالفساد الذي يحدث حولهم وبتحطم آمالهم. أصعب شيء أن تعيش بلا أمل. لقد وصلوا إلى مرحلة شعروا فيها أنه لم يعد لديهم شيء يخسروه بعد الآن لذا قدموا دماءهم.

كان حضور النساء في الأيام الأولى قليلا، ثم بدأ يتزايد. بتُّ أرى نساء من كل الأجيال ومن مختلف الشرائح الاجتماعية. بت أرى الجدات اللواتي يجهزن الخبز والسياح (الخبز المصنوع من طحين الأرز) وبائعات الشاي إلى جانب الشابات العصريات.

رأيت المرأة البغدادية في ساحة التظاهر بصورتها الفلكلورية التي لم أرها منذ زمن طويل، تلك الخاتون التي ترتدي العباءة والشيلة و”الجلاب” في جانبها، تقف تدعو ربها وهي ترتدي محبس شذر في يدها وتردد “الله ينصركم الله يحفظكم ويبعد الشر عنكم”.

رأيت أمهات بعمري قدمن مع أبنائهن ورأيت صبايا وشابات وهن يهتفن بصوت عال بكل طموح الشباب وجموحه، الذي أشعر أننا فقدناه مع أشياء كثيرة فقدناها. كنا (كجيل) نتعثر دائما بخيبات كثيرة لكن هؤلاء الشابات والشباب أقوياء أكثر منا وما زالوا بعنفوانهم وأتمنى أن لا يمروا بما مررنا به.

لم اتمكن من حبس دموعي في كثير من الحالات الإنسانية ومواقف التضامن التي شهدتها هناك. وهي كثيرة لا أستطيع اختصارها.

أمس، قمنا بحملة لتنظيف القمامة، وجاء رجل بعمر والدي في السبعينيات من عمره يحمل صينية فيها قوري شاي وأقداح (استكانات) مزخرفة وبدأ بتوزيع الشاي على الفتيات والشباب المشاركين في الحملة.

شاهدت قصصا عديدة، رأيت امرأة فقدت اثنين من أبنائها (شهداء) وجاءت إلى الساحة مصرة على إعداد الخبز وتوزيعه على المتظاهرين، قائلة :”أنتم أبنائي الذين ستعوضوني عن أبنائي”.

رأيت امرأة أخرى كبيرة في السن، لديها 7 أولاد، وهم كلهم مع أحفادها في الساحة، وهي تقوم بإعداد خبز “السياح” ويساعدها زوجها في إعداده، كي توزعه على أحفادها وأولادها وبقية المتظاهرين.

إن اندفاع العراقيين للمشاركة في المظاهرات لا يوصف. كثير من الشباب جاءوا إلى المظاهرات وأخفوا خبر مشاركتهم عن عوائلهم، كي لا يثيروا قلقهم لكنهم اكتشفوا أنهم سبقوهم إلى ساحات التظاهر، كما هي الحال مع صديقتي تقى، التي أعدت “سندويتشات” لتوزيعها على المتظاهرين واتصلت بي كي تأتي معي لتوزيعها في الساحة مخفية الأمر عن أمها وقائلة لها إنها ستذهب إلى صديقتها، لكنها اكتشفت عندما وصلنا إلى الساحة أن أمها نفسها قد سبقتها إلى هناك، وكذلك أخيها الذي كان قد أخبر أمه أنه ذاهب للعب كرة قدم مع أصدقائه. وكانت الأم البسيطة تحمل أدعية وتوزعها عليهم كي تحفظهم من الأذى وهم في ساحة التظاهر.

ورأيت امرأة كانت توزع الطعام على المتظاهرين وقد قدمت دون علم زوجها لتكتشف أنه في الصفوف الأمامية للمتظاهرين على الجسر، والتقيا قرب الجسر، على الرغم من أنه المكان الأخطر بالنسبة للمتظاهرين، إذ يمثل من يقفون هناك الساتر الأول وطليعة المتظاهرين الذين كلما تقدموا أبعدوا القوات الأمنية ومدى القنابل المسيلة للدموع عن ساحة التحرير. لذا يتحدى المتظاهرون القوات الأمنية (ويسمونها قوات مكافحة الشعب وليس الشغب) ويحاولون دفعها إلى الخلف إلى منتصف الجسر.

شاهدت شابا وفتاة يعلنان خطوبتهما في مبنى المطعم التركي وسط ساحة التظاهر ويقولان إننا سنعيش في عراق جديد.

مقالات ذات صلة