كتاب جديد : خروج المملكة من الاتحاد: نعمة على بريطانيا أم نقمة؟

كتابان جديدان يدعمان فكرة خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي، كونه يجسد تقاليدها التاريخية والفلسفية، ويمثل نوعًا من العودة إلى الخصوصية.

“إيلاف” من بيروت: يتكون مشروع اتفاق خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي (بركسيت) من 585 صفحة، وينص على نقاط عديدة، أهمها اللجوء إلى شبكة أمنية تجنبًا لإعادة الحدود الفعلية بين إيرلندا الشمالية التابعة للمملكة المتحدة وجمهورية إيرلندا العضو في الاتحاد.

حاول الفيلسوف الفرنسي برنارد هنري ليفي، في زيارة إلى لندن، إقناع المشترعين الديمقراطيين البريطانيين إلغاء خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي. وقام بالاستدلال لدعم حجته على أشخاص كبايرون ونيلسون وأورويل ليقول إن خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي يخالف الليبرالية الإنكليزية التي كانت أساسية في المشروع الأوروبي. أضاف قائلًا: “برنامج أوروبا هو الإنكليزية”.

خروج بريطانيا
يعكس خطاب ليفي، كما يشير مراسل صحيفة لوموند الفرنسية في لندن، مارك روش، في كتابه الجديد “بريكست ستنجح” Le Brexit va réussir (يأتي ضمن 240 صفحة، منشورات ألبين ميشيل، 18.50 يورو) شعور المؤسسة القارية بالفزع من طلاق بريطانيا مع الاتحاد الأوروبي.

يتناقض خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي مع تصور قديم لبريطانيا باعتبارها مكانًا عمليًا غير مألوف. بالنسبة إلى مارك روش، وجهة نظر المؤسسة الأوروبية خاطئة للغاية؛ إذ يعتبر أن لا حاجة إلى الحلم. فبريطانيا ستخرج من الاتحاد الأوروبي في النهاية.

بالمثل، يعتبر جوشين بوخشتاينر، المراسل المخضرم لصحيفة فرانكفورتر الغماينه تسايتونج في لندن، في كتابه “ارتحال البريطانيين من يوتوبيا الأوروبية” Die Flucht der Briten aus der europäischen Utopie (المكون من 144 صفحة، منشورات روهوولت، 15 يورو) أن الإجماع القاري الذي تكلم عنه ليفي هو فكرة خاطئة؛ إذ إن خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي يجسد تقاليدها التاريخية والفلسفية، ويمكن هذا الخروج أن يُثبت لاحقًا أنه خطوة ناجحة.

تطور طبيعي
في رواياته عن الاستثنائية البريطانية، ينشغل روش بالحديث عن الحكم الملكي، حيث يبدأ كل فصل من فصوله بحكاية عن العائلة المالكة، مشيرًا إلى غطاء رأس الملكة في حفل افتتاح دورة الألعاب الأولمبية في لندن في عام 2012 كمثال للنطاق الثقافي العالمي لبريطانيا. كما يتحدث عن تعليم الأمير تشارلز في جامعة كامبريدج والاقتصاد الأنغلوسكسوني القائم على المعرفة.

أما بوخشتاينر، فيعرّف القراء إلى هنري الثامن، ملك إنكلترا، الذي اشتهر بإعلانه انفصالها عن الكنيسة الكاثوليكية في روما. كما يضيء على الحرب الأهلية الإنكليزية، والإرث النفسي للإمبراطورية البريطانية، والدور الدائم للحرب العالمية الثانية في صورة البريطانيين الذاتية. ويتفق مع روش على ما يجعل بريطانيا غير عادية: مزيج غريب من البراغماتية والكبرياء والانفتاح والرضا عن النفس.

يجادل كلاهما بأن هذه الاستثنائية تجعل خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي تطورًا طبيعيًا. فالتقاليد التجريبية لبريطانيا وحالتها الفوضوية لا تتناسب مع نادٍ قائم على المبادئ القانونية النابليونية والطوباوية الكانتية. وبحسب هذا التحليل، قد يكون ترك الاتحاد الأوروبي، خصوصًا في وقت تلوح فيه غيوم العاصفة، بمثابة نوع من العودة إلى خصوصية بريطانيا.

رؤية ضبابية
يقول بوخشتاينر في كتابه: “أنشأ البريطانيون منظارًا غريبًا لأنفسهم، مع عاصمة تشبه سفينة الفضاء التي تطغى شخصيتها الدولية على جميع المدن الأوروبية الأخرى. هنا، الانفتاح والثورة والتقاليد متشابكة بشكل فريد”.

يعتبر بوخشتاينر أنه مع تحوّل أميركا عن أوروبا وآسيا، قد ينجح خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي، على الرغم من أنه يعترف بأن الوقت وحده كفيل بإظهار التداعيات. ومن جهته، يقول روش إن خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي سيعني نهضتها من جديد.

هناك عدد قليل من مؤيدي بركسيت، لا سيما بين النخبة في بريطانيا، لا ينصب هدفهم على إغلاق البلد، بل جعله أكثر انفتاحًا على العالم خارج أوروبا. ويعتقد هذا البعض أن علاقات بريطانيا مع جيرانها المباشرين ستكون أكثر انسجامًا بعد أن تستخرج نفسها من مشروع غير ملائم لها.

لكن هؤلاء يشكلون أقلية. فهذا المشروع مدعوم بالحجج الانعزالية. ولعل أكبر دليل على ذلك حملات المؤيدين لخروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي في عام 2016، التي عبّرت عن خوفها من ملايين المهاجرين الأتراك. وكان لنايجل فاراج الذي ترأس حزب الاستقلال المتشدد دور فاعل في حملة المطالبة بانسحاب المملكة من الاتحاد.

مغالطات
لم تكن عضوية الاتحاد الأوروبي بعيدة عن تقاليد بريطانيا كما يجادل المؤلفان. فقد حصلت استجابة للأزمات، لا وفق رؤية طوباوية غير بريطانية. في أي حال، ساعدت بريطانيا على تشكيل الاتحاد الأوروبي بطرائق لا تعد ولا تحصى، أبرزها المساعدة على تطوير السوق الموحدة التي تقع في قلب الاتحاد.

ليس ضروريًا تفسير الاستثنائية بأنها الخروج من حساب التفاضل والتكامل الأساسي للاقتصاد والدبلوماسية، حيث لا يمكن بريطانيا أن تتوقع أن تنأى بنفسها عن أكبر أسواقها وأقرب حلفائها من دون دفع تكلفة في الرخاء والتأثير.

تتعرّض اليوم إقامة العديد من مواطني الاتحاد الأوروبي الذين عاشوا في بريطانيا لسنوات للخطر؛ وتتطلع شركات صناعة السيارات والبنوك إلى مخارج. لذلك، بديهي القول إن رؤية الكاتبين ثاقبة وجديرة بالاهتمام، لكنها قراءة قاتمة لتقاليد بريطانيا لرؤية مأزقها الحالي على أنه تحقيق وطني للذات. وهذا ما يدفع المرء إلى استذكار بعض من أهم كلمات ليفي: “بريطانيا أفضل من بريكسيت”.

أعدت ايلاف هذا التقرير عن ” إيكونوميست”

مقالات ذات صلة